أغلب سياسيينا لا تحركهم غير أطماعهم الرخيصة، فلا هم يهتمون لمستقبل وطن تتعاوره السوافي، لتجعل منه أطلالا وبقايا دِمَن.. وطن لم يعد يعني لحكّامه أكثر مما تعنيه مغارة عالي بابا له ولحرامييه الأربعين.. ولا هم يأوون لحال الفقير أو يرثون لواقع المعتر.
أصابني الدّوار خلال الأسبوع الماضي حين أرسل لي أحدهم رابطا لمداخلة بدر الدين في إذاعة فرنسا الدولية، فإذا به يتحدث عن السيد ولد الغيلاني فيثني عليه أحسن الثناء، ويطريه بالغ الإطراء: فهو الرجل الجسور الذي طالما كافح من أجل استقلال القضاء.
انهارت في وجهي قمة هملايا النضال الطلائعي التي تدعى بدر الدين، فأنا أكثر من غيري أعرف كم كان ولد الغيلاني ظالما، وكم كان طوع بنان جنراله الأرعن الذي لا يبين وقع خطاه في مجاهل الأيام.. شهوري المتتابعة كالسنون في جحيم دار النعيم أرتني كم كان ولد الغيلاني مقدودا قلبه من حجر صلد حين يتعامل مع السجناء البؤساء.. إلا أن فص الخزف الذي كان طوع بنان الجنرال تحول حجرا كريما بمجرد أن نزعه الجنرال من إبهامه، الذي يحتاج لإفهام، فتمنع حتى لا يفقد قربَ من محض له الولاء، وكان في يده درةً تلسع ظهور مناوئيه، وكرباجا يأكل من أجسادهم.. تماما مثلما لا ترضى جِراء البودلز الثرثارة جفاء أصحابها.
الآن، وقد تحول النمر الكاسر إلى ورق، وبدا أن لمصارع السومو رجلين من صلصال، فقد أكلت القطة في لمح البصر ألسنة الساعين لتعميد ولد الغيلاني.. الأُلى وضعوا نفوسهم في مواقف لا يحسدون عليها.
في قاموس سياسيينا تقدّس الموالاة ولي الأمر، فتضفي عليه صفات الألوهية، فهو العدل المطلق، وهو المعبود سياسيا بحق.. عدل في ظلمه، ليّن في قاسي حكمه.. "إن أمر تبادروا لأمره، وأن تكلم أطرقوا وكأنما على رؤوسهم الطير"، حتى إذا دارت عليه دوائر الأيام، وأدبرت عنه قوابلها، انجلت الغشاوة عن "عين الرضا" التي كانت كليلة عن عيوبه، فتحول البطل بصلا، والانقلاب عليه حركة تصحيح..
هل تعتقدون أن شعراء بلاط ولد عبد العزيز الذين يحسنون اليوم تدبيج القصائد "العصماء" في ذكر مآثره، سيكونون أكثر وفاء من الشادين في عكاظ ولد الطائع؟
أغمضوا عيونكم لحظة، وتصوروا أن انقلابا أو ثورة شعبية أطاحت بنظام الجنرال عزيز، وأن الرجل فر كجرذ مذعور ليختبئ في خزنة ملابس افيل ولد اللهاه.. فلم يرض الأخير أن تتسخ ملابسه البيضاء لأنه يعرف أكثر من غيره دنس ابن خالته، و يدرك أن بياض ملابسه قليل الحمل للدنس.
تصوروا معي حينها تصريحات صحفية يدلي بها النائبان المفوّهان سيدي محمد ولد محم او محمد ولد ببانه.. فهل سيمحو كلامَ ليل ولائهم لنظام استبدادي نهارُ الانقلاب عليهم؟ وهل سيكون بعضهم أَلحَن بحجته من بعض، فبعد أن جعل من عسله جنى نحل ليلعقه، سيعافه فيستحيل لديه قيئ زنابير.
الأمر سيكون حينها أشبه - في رأيي- بالتاجر الميسور الذي منعَ أحد العفاة، فقدحه، ثم وصله فمدحه، فقال التاجر للسائل الظريف:
- هلا ثبت لي على حالة واحدة.. تذمني ثم تمدحني!
فرد عليه السائل:
- سأفعل حين تستقر لي أنت على حالة واحدة، تمنعني ثم تمنحني!
وقد ينشد حالهم حينها، معذرة أبي بكر الفاضلي عن مدحه ليحى الذي لم يجزل له العطاء:
شهدت ليحى بالسماح شهادة تبيّن فيـــــــما بعدُ أنيّ كـــــاذب
فأشــــــــهدكم، والله يعلم أنني إلى الله من تلك الشهادة تائب
لا يعدم الموالون للأنظمة المستبدة حجة يلقنونها في الدفاع عن ماضيهم في الارتماء في أحضانها، إلا أن قلة منهم يملكون شجاعة خرتشوف في الاعتراف بالحقيقة:
في إحدى اجتماعاته في العام 1953 وبعد أن أحكم قبضته علي مقاليد الحكم في روسيا، طفق يكيل اللعنات لنظام سلفه ستالين، ويدعو للقطيعة مع نمط حكمه الأرعن، وهو الذي كان أحد دعائم نظامه، فما كان من أحد الحاضرين إلا أن دسّ إليه ورقة كتب فيها: وأين كنت حينها يا خرتشوف؟
قرأ خرتشوف الورقة الصغيرة. ثم زمّ شفتيه، سائلا:
- من منكم صاحب هذا السؤال؟
فلم يطر حتى الذباب في القاعة.. أعاد السؤال مرات، وكأنه يكلم خّرساً، فأجاب سائله قائلا:
- لقد كنت جباناً حينها، مثلما أنت الآن!
…هكذا أيضا فلن يستقر سياسيونا على موقف واحد ما دامت سفينة الحكم تتماوج علي ثَبَج بحر هادر: سيرضى الراضون عنه فيألّهونه، ويسخط الساخطون فيشيطنونه.. وسيظل المواطن رشاءً يوصل الماتح إلى الماء في قعر البئر، ثم لا يزيد حظه منه على البَلل.
لقد جعل تكتل القوى الديمقراطية المعارض من انقلاب ولد عبد العزيز حركة تصحيح، فسوّدوا الدفاتر في الثناء على استدارته الجريئة للإطاحة بنظام رئيس مدني منتخب، وحين استبانوا مكر الجنرال في استغلاله لهم، بيّضوا الدفاتر التي سوّدوها، فأصبح الملاك الطاهر شيطانا.
هكذا هو الخطاب السياسي لدى معارضتنا، يحصر "كل المزايا والمآثر في مناوئة نظام الجنرال".. فالصيد في جوف الفرا.. ومعارضة نظامه تَجّبُّ ما قبلها من فساد وسوء تسيير وتعذيب للمواطنين وإزهاق لأرواحهم وتعدٍ على ممتلكاتهم.. إنها الإكسير الذي يجعل من الصّريف ذهبا ومن سيوف الخشب صوارم مشرفيّة.
كما أن موالاة النظام في رأي الأغلبية تبرر أكل المال العام وتبديده وتبذيره، واستغلال النفوذ والسلطة للحصول على امتيازات غير مستحقة. وكأن الله اطّلع على الموالين لأبي بدر، كما اطّلع على من شهدوا بدرا، فقال: أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.. فشأنهم في موالاة أبي بدر شأن الشاعر في تشبّبه بغلام يدعى بدرا:
يا بدر أهلُك جـــاروا وعلّمــــــوك التجري
وقبّحوا لك وصلي وحسّنوا لك هجري
فليفعلوا ما يشاءوا فإنهم أهــــــــل بدر
قل لي: حين يلقى بك في غياهب سجن، وتسام سوء القهر وخسف الذل، ثم تُشتَرط براءتك بأكل الأرز الفاسد، هل ستحترم نفسك في قرارتها حين تقبّل كف جلادك؟
وقل لي: إذا ألزموك تسديد 120 مليون أوقية .. فدفعتها صاغرا، ولم يسألوك عن مصدرها رغم أنك لم ترثها عن أب ولا مسحتها من عرق جبين.. فلماذا تتساوك كمعزاة جرباء لتساق في قطيعهم؟!
كل مفردات الخطابات السياسي تختصر الرفعة والضّعَة في الولاء والبراء من النظام.. فالدولة تشهد موتا سريريا، فلا حضور لها البتة في حياة المواطن: لا رفاه في عيشه، ولا أمنَ له في سربه، ولا معافاة في بدنه.. الجنرال أشبه بمن يمر من نفق مظلم فيشعل عود ثقاب كيما يتبين مواطئ قدمه.. لا تعليم ينيره، ولا تجربة تهديه، لا همّ له الآن سوى إدارة أزمته مع المعارضة كما لا همّ للمعارضة سوى خلق الأزمات له.
المعارض مكره غير بطل.. والموالي بطل غير مكره..
لا ادّعي، طبعا، شمول القاعدة، وإن كان الاستثناء هو معيار عمومها، فهناك -ربما!- من أقنعهم برنامج "رئيس الفقراء" فاتخذوا من موالاته خيارا.. كما أن هنالك معارضين رأوا في سياسة ولد عبد العزيز خطرا على البلد - وهو كذلك- فأخلصوا السعي في معارضته.. فلم تلن لهم في مناوئته قناة ولا انكسرت كعوبها.
غير أن أغلب السياسيين معارضة وموالاة هم أشبه بـ"الجُعل" (يسمونه محليا بوجعران): فهو يعاف العرَف الزكي ويمقت شذى عبيره، ولا يشوقه غير الروائح النتنة.. ولهذا وجد في نظام ولد الطائع تلك البؤرة العفنة التي عاش فيها لا يُطار له غراب.. وحين ألوت بعهده يد الحدَثان، أجبرته الظروف على أن يتحيز للمعارضة، غير أن روائح الرفض التي هي في إصلها روائح زكية، ظلت تخنق أنفاسه، كمن يتنفس تحت الماء، فهو ينازع جِبِلّته في النزوع إلى القذارة، وواقع رفضه من نظام انقلب على سلطته في مناوئته.. إلا أن الطبع في نهاية مطافه يغلب التطبع.. فإن المها لم تكتحل بالإثمد.
أما أنا المواطن، فحالي كحالك يا سيزيف، أدحرج الصخرة من علياء هضبة إفريقية، ثم أعيدها من سفحها إلى عليائها، تماماً مثل سير السّواني الذي لا ينقطع سفره.
آهٍ.. يا وطني، قد انبهرت أنفاسي!
البحث :