الكاتب الكبير : أبو العباس ابرهام

الكاتب الكبير : أبو العباس ابرهام

في التراجيديات الكبيرة يوجد نوعان من الأشخاص: الذين يستمرون في معركة الكرامة إلى الرمق الأخير أو الذين يبيعون مجدهم بحصان ينجون بحشاشة أنفسهم على صهوته. نوعان فقط: الذين يسألون عن القضية أو الذين يسألون عن أنفسهم؛ الذين يعتبرون "الموت في الجماعة نزهة" أو الذين يعتبرون "الهروب قبيحا و لكنه يُنجِي". رئيس الجمهورية المنقلب عليه غدرا في 2008 كان من النوع الأول. حوّلَ مأساته الشخصية إلى حرب كرامة وطنية ناضلت فيها آلاف الأنفس النبيلة، و خرج من المعركة دون حاجة في نفسه.

رئيس المحكمة العليا المطاح به غدرا في 2012 كان من النوع الثاني. رد مأساته الشخصية إلى معركة شخصية بعد أن عنت الأنفس الكبيرة إلى جعلها قضية وطنية متعلقة بالدمقرطة وفصل السلطات. خلع لامته و انعطف إلى المعبد حيث جلس القرفصاء كأحد البراهمة الهنود الصامتين لقاء مِنح العابدين. كلما أطبقوا شفاههم و لم يلتفتوا حولهم كلما تلقوا أكياس القمح و الطحين. ا.هـ.

2

إن عهد الجنرال لهو أحسن قليلا-ولكن قليلا فقط- من العهد الجاهلي بحيث أنه فيه "لا يُقيم العزيز بالبلد السهل" و لكنه يختلف بأنه فيه "ينفع الذليل النجاء". في عهده تنفع الجياد السريعة. إن الحكمة القديمة للمحاربين البيضان المتقهقرين مازالت استراتيجية سياسية صالحة للكثيرين: "الهروب قبيح"، بدليل "شين الربعة اعلَ زوزال"، و لكنه "ينجي الأنفس".

و لكن مالذي يفعله الجنرال لمن لم يهرب؟ حتما إنه لا يعطيه الفتات. إنه يعطيه شيئا آخر. يطلق عليه سرحا من الدهماء ينهشونه نهشا فيما الجنرال يبتسم كأنه أحد الكونكيستادور الذي يطلق كلابه الأوروبية على ضعفاء الهنود الحمر. لأصدقائه هو يمنح ختم الأمان، أما الذين يواجهونه فإنه يفتح جهاز التحكم عن بعد و يسومهم خسف الدهماوية و الابتزاز.

3

منذ أن وصل جنرال الشعبوية إلى السلطة و هو يستخدم المرتزقة و الدهماوية لحل الخلافات السياسية. في 12 يناير 2009، و مع إصرار الرئيس الشرعي على التشبث بثقة الشعب فيه و استمراره في النضال من أجل الديمقراطية لجأ الجنرال عزيز إلى أسلوب سيطبع كل تفكيره السياسي اللاحق. حشد المرتزقة من جهلاء الضواحي و حَمَّلهم بالحجارة و قاموس الحطيئة و شحنهم إلى دار الرئيس المُطاح به و أمرهم باتخاذ الدار قبر أبي رغال و رشقها من كل الجهات بالقذف الحسي و المعنوي.

و في نفس الوقت قام بابتزاز سياسي بذيئ: ساق حرم الرئيس إلى مجلس الشعب من أجل لي ذراعه. و فعل نفس الشيئ لوزراءه و مدرائه. و في نفس الوقت قام باتصالات مع ذوي شاب قُتل في مظاهرات في عهد الرئيس من أجل رفع دعوى عليه (رغم أن الجنرال و جنرالاته هم من كانوا يتولون الملف الأمني يوم مقتل الفتى و رغم أن الجنرالات سيديرون أجهزة تقتل المواطنين لاحقا). و رغم أن هذا التكتيك غير النبيل لم يؤد إلى أي نتائج سياسية باهرة إلا أنه سيطبع أخلاق الجنرال السياسية منذ تلك اللحظة. حالما انتهى الرئيس المُطاح به من السياسة انتهى الجنرال عن الاهتمام بمحاكمته و آله و مدرائه. بل و رضي عن الأخيرين و سلم تسليما.

4

في نفمبر 2009، و مع تأكد الجنرال أن رئيس مجلس الشيوخ، الذي انضم للجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، يريد معارضة انقلابه الذي عارضته جميع الأوجه المحترمة في البلاد، غضب. و فكر و قدر ثم بسبسَ لأعضاء مجلس شيوخه- الذين وصل أغلبهم للمجلس بانتخابات أقرب إلى مناسبات رمي الأموال في الأعراس منها لانتخابات نزيهة- و أطلقهم على رئيسهم. قام هؤلاء الانتفاعيون بفتح تحقيق في تسيير رئيس مجلس الشيوخ. و بما أن رئيس المجلس لم يكن واثقا-محقا- في عدالة التحقيق، فقد أذعن-غير محق- للضغوط- كما سيفعل لاحقا رئيس المحكمة العليا- و دخل تحت عباءة الانقلاب. عندئذ توقف العواء ضده. و تم إصدار صك غفران له و مسح الغبار عنه.

5

في 2009، و مع اشتباه الجنرال في تحركات قريبه الرئيس الأسبق، الذي لم يُوافق على انقلابه و بدأ في التحرك ضده ديبلوماسيا، فإن الجنرال- الذي ضاق ذرعا باتصلات هذا- قرر إيقافه عند حده. عندئذ أمر دهمائه بتنظيم مظاهرة عرقية الطابع ضده باعتباره مسؤولا عن أحداث الإرث الانساني 1989، التي –للمفارقة- تم الافتخار في الانقلاب المشترك لهما 2005 بأنه لم يكن متورطا فيها. حالما أنهى الجنرال مشكلة الصراع مع قريبه بسكوت الأخير مؤقتا سكتَ النباح في مظاهرات السبخة و الميناء. سيتمتع بالأمان لحين كلامه- بعد سنوات- في السياسة. كان دأب الجنرال هو التالي: "عارضني شخصيا أعارضك بالحق العام. اسكت عن شخصي يسكت عنك الحق العام". ابتسم ابتسامة لويس الرابع عشر: "الدولة أنا".

5

بتاريخ نفمبر 2010 كان الجنرال يعاني من أزمة حكم: كان رجال أعمال ولد الطائع ما زالوا يسيطرون على نواح مهمة من الاقتصاد. و كان الأمر يوقظه من النوم. و قد قرر الجنرال-منخوسا بفريقه المناصر من رجال الأعمال- الوفاء بتعهده الانتخابي بالقضاء على رجال أعمال ولد الطايع (التعهد الانتخابي الوحيد الذي وفى به إذا استثنينا بناء سجن كبير). قام بقضم رجال الأعمال و ابتزازهم (اقتصاديا و سياسيا). غرمهم عشرات المليارات. و لكي يفعل الجنرال هذا فإنه حوله إلى قضية فساد و قامت نفس الخلايا التي حركت المرتزقة السياسيين و الراشقين بتنظيم باحتجاج في مركز المدينة مطالبة بشنق رجال الأعمال الألداء و سجنهم. إن رجال الأعمال أولئك- تماما كرئيس المحكمة- لم يكونوا يوما أصدقاء الشعب و لكن ظلمهم- مثل ظلم رئيس المحكمة- لأغراض شخصية و نفعية و ليست وطنية كان أمرا منحطا؛ و قد تم تغليفه بالشعبوية المأفونة إياها: قضية ظاهرها حق عام و باطنها تصفية حسابات ووسيلتها مرتزقة مدفوع لها.

6

بتاريخ مايو 2012 كان الجنرال يُعاني من مشاكل سياسية قوية. أدت حالة الرفض العام لحكمه إلى تنامي أكثر موجة من الرفض في تاريخ البلاد. ضاق ذرع العوام به، و بدأ مشروع ثورة عليه ضم جميع القوى السياسية الحية. كان أكثر من يزعج الجنرال هو ناشط حقوقي كان بعكس المعارضة المتمهلة متسرعا و راغبا في عمل شعبي ضد الجنرال. و قد بدأ بالفعل في الحديث عن مجلس ثوري و حركة حقوق مدنية ثورية موريتانية. انتظر الجنرال حتى قام هذا الناشط بحرق احتجاجي لبعض الكتب. استغل الانتهازي الحالة الاستنكارية العامة لهذا الفعل الذي صدم مجتمعا اعتاد تقديس المعرفة.

أوعز الجنرال إلى جمهور شعبوي أصولي- يشبه رهبان ميانمار- بالتحرك. تم تنظيم تظاهرة و القيام باتصلاتها بالليل. قام تلفزيون الجنرال و إذاعته بالصرخات العنصرية التي تذكر بإذاعة المتطرفين الهوتو المحرضة ضد التوتسي في رواندا 1994. في كل مكان جيشت الإذاعة و التلفزيون الغوبلزي الدهماء الأصوليين الذين تهاطلوا إلى الشوارع في حملة صليبة أوّلت –و حوّلت- العمل الاحتجاجي الطائش إلى عمل كفري إلحادي. خرج الجنرال من أطمه متعمما بعمامة مرابطية و ناقما على العلمانية، التي ما زال لا يعرف إلى حد الآن هل هي نوع من الستائر البلجيكية أم هي فريق كرة قدم في أميركا اللاتينية. و أرسل للأقطار و الأمصار ببدء حملة مالكية وطنية. نجح مؤقتا في إبعاد خصمه ولكنه خلق عنصرية دفينة، ستعاني منها البلاد حتى بعد رحيلة. مرة أخرى ابتسم ابتسامة لويس الرابع عشر: "أنا و من بعدي الطوفان".

7

تماما كالشنفرى أو كالكونت دي مونت كريستو نظر الجنرال المَوْتور إلى الخصم القادم للثأر. لم يكن هذا غير الرئيس الأسبق الذي بدأ يُصعد من جديد و ينتقد الأوضاع، و خصوصا ينتقدُ حالة عدم الشرعية المتنامية بفعل إلغاء الانتخابات و القضاء على استقلال القضاء إضافة إلى الفساد المستشري و الغلاء. هنا عاد الجنرال لنفس سياساته معه. أمر تلفزيونه النازي بتحريف تصريحاته-كما اعتاد أن يفعل مع النواب في البرلمان- ثم قام بتمويل حملة صليبية، عنصرية الطابع، ضده، مع نوايا رشق منزله بالحجارة. نفس الهيستيريا التي قام بها ضد الرئيس المُطاح به. دهماويته لا تخف بالتقادم. و صبيانيته لا تتأثر بتقدمه في العمر.

8

العادات القديمة لا تموت إلا على سرير الموت. الميكانيكا تُدرِّسُ أن هنالك حيلة واحدة لنفس المشكلة. و هكذا أصبح إطلاق العوام المؤججين و المدفوع لهم ضد الخصماء السياسيين هو علاج لكل مشكلة سياسية في كل زمان و مكان. أجهزة بسيطة تكفي: عقلية مافيوية، رشاوي جماعية للعيارين في الضواحي أو الأصوليين التكفيريين و العنصريين، تلفزيون غوبلزي، حزب حاكم عنصري متخصص في الشتيمة و القدح (وصفَ حركة حقوقية بمناضليها بالرعاع)، و خمسة مُهيجيين سياسيين (في العهد الفيكتوري كانت الصفة مرتبطة بالاصلاح الاجتماعي. في عهد الجنرال هي مرتبطة بالفساد الاجتماعي) يألبون العامة- بالدفع- لقاء إرهاب الأعداء السياسيين. هكذا أنتج الجنرال حركة قمصان سود موريتانية. هكذا تتم تتفيه السياسة.

9

آخر مشروع في هذه القضية هو محاولة إنتاج حزب سلفي يقوم بزيادة نسبة الديماغوجية في الحياة السياسية من خلال إيداع النقاش السياسي العام في القفص الحديدي المقتصر على مناقشة الحدود اللفظية بين الكفر و الإيمان و ما ينبغي و ما لا ينبغي على "المسلم" قوله وفعله.

إن نمو الحركة السلفية و استعدادها لخوض غمار السياسية هو أمر له حتما إرادته الخاصة من قبل السلفيين ووكلاءهم في السلفية العالمية، السعودية المنبع، و خصوصا مع وجود حرب باردة جديدة، قطرية-سعودية يتم بموجبها إنتاج حركة سلفية عربية منخرطة في الديمقراطية كمواز لحركة الاخوان المسلمين، التي تم تحويل ولائها إلى إقطاعي جديد هو أمير قطر و من تبعه براتب أو معونة أو إيمان. و بالفعل تم الإيحاء بهذا للسلفية الموريتانية بالاصطفاف سياسيا. وقد التقى عناصر من هذه السلفية بالجنرال عزيز، الذي أراد أن يضرب بها الاسلاميين المعتدلين. تلفع أمامها برداء الواعظين و همس لها بالتحرك و الاستقلال السياسي عن الاسلاميين المعتدلين الذين كانت تقبع تاريخيا في طوابيرهم الانتخابية.


إن هذه الخطط قد تكون مفيدة سياسيا ووقتيا للجنرال و لكنها مضرة بكل الطيف السياسي. إن وجود حركة تكفيرية (مثلا وصفَ أبو المنذر الشنقيطي حركة إيرا بـ"الحثالة". و اعتبر بيرام ولد اعبيدي "داعية كفر". و نحى سلفيو السجون-الذين يعتبر تحريرهم مطلبا أساسيا للحركة السلفية المستقلة و على رأسها السلفية العلمية لأبي المنذر الشنقيطي- نفس المنحى التكفيري) هو أمر سيزيد دهماوية السياسة، كما يحصل الآن في تونس و مصر. إن ضرب الاسلاميين، و في الواقع كل الطيف السياسي، بحركة سلفية تكفيرية تشترك معهم نفس الجمهور قد يكون ناجعا لجنرال محاصر، (كما يفعل نفس الشيئ في هذه اللحظات ضد حزب حاتم و فعله منذ سنوات ضد الحزبين المعارضين الوحيدين اللذين لم يتوقفا منذ 2009 عن معارضته: اتحاد قوى التقدم و تكتل القوى الديمقراطية). و لكن هذا التكتيك كارثي على طيف سياسي يتم إغراقه يوميا في ثقافة الاقصاء و الديماغوجية و محاكم التفتيش و أمواج العوام الهادرة التي لا تتوقف للحظة لتعرف لماذا هي تحتج. إن القشة التي تقصم ظهر البعير في مسلسل الدهماوية هذا هو عندما يتم إقصاء نقاش التنمية و فتح نقاش التكفير و تجاوز القانون إلى الهواجس الطالبانية و محاكمات التفتيش و الاختزال السخيف النابع منها (مثلا يعتبر الجنرال و أبو المنذر أن العلمانية تعني ضرب العلماء و سبهم و حرق الكتب!!!).

10

لا يمكن لرعونة العوام أن تصبح قوة فوق القانون إلا في دولة بلا قانون. إن التوصيف الحقيقي لنظام الجنرال عزيز هو ذلك التوصيف الذي قدمه ماكس فيبر عن ممالك بداية القرن العشرين الزائلة: إنه نظام دستوري زائف. إنه يستخدم الدستور فقط كإطار شرعية أما عندما يتجاوز طموحهُ الدستورَ فإنه يفسخه و يرميه في الدولاب. يسجنُ الأعداء تحكميا لسنوات و يسجنُ على قضايا لا نص قانوني فيها (حادثة حرق الكتب مثلا). يقيلُ من لا صلاحية له في إقالته و يُعين من لا صلاحية له في تعيينه (بعض أعضاء المجلس الاقتصادي الاجتماعي. رئيس المحكمة العليا. رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي الخ). يُلغي الانتخابات و يقزم الدور الدستوري للمجتمع المدني و للمعارضة. و يَستخدم المجلس الدستوري-الذي عين عليه آخر رئيس وزراء لولد الطايع- في تشريع قضايا ليس من حقه تشريعها أصلا. أصبح الدستور ضد الدستور.

11

بدون منازع فإن حاكم موريتانيا هو الديماغوجي الأول في البلاد. و لكن الحالة الديماغوجية لا تتوقف عليه حصرا. في السنوات الماضية حدث انتحار جماعي لحكماء البلد، فقد اختفى مفكرو البلاد و مناضلوها التاريخيون من مجال صناعة الرأي المحلي جملة و تفصيلا. اختفى كتاب البلد و شعراؤه و روائيوه و فلاسفته كلية من مجالات الوعي العام. أما من بقي يكتبُ من قدماء الصحافة و الحقوق و السياسة فقد بقيت معه الأساليب القديمة المتعلقة بتمجيد النظام و هجاء أعداءه. و في المقابل تُركت صناعة الرأي لجيل شبابي صاعد، غير متخصص، شديد الوثوقية، خصب الانتاج، معتد بآرائه، و يطلق تعميمات عامة في كل شيئ من الفيزياء النووية إلى أنواع النبات، كأنه أرسطو أو ديدرو.

انحطت اللغة السياسية في تفاهة قواميس الفضائيات، و نتج جيل تكفيري عصبي-اللغة، جاهل و شتام. و في البرلمان وصل عدد من السياسيين (بالفراغ و ليس بالمهنة أو الاهتمام أو المسؤولية) إلى قاعة الشعب و أصبحوا يقضون الوقت في خطابات طرطيفية من نوع: "لا توجد أزمة غذائية لأن مسافرا قال لي ذلك"،أو "إنني أعتقد أنه لا توجد حرب بالوكالة، و بالتالي فإنه لا توجد حرب بالوكالة" أو "على المواطنين أكل البشنة" و "عدم تسييس البرلمان" و "عدم إحراج الوزراء". و رغم أن بعض النواب كان عميقا- قديما- في مستواه الفكري-و هو ترف حصّله من أيام فراغه و صعوده الطبقي- إلا أن استفادته من الصفقات الحكومية و سياسة "سمن برلمانيك يتبعك" جعلته يتكلم ببطنه أكثر مما يتكلم بعقله.

و في خارج قبة البرلمان فإن الحزب الحاكم، الذي لم يقرأ قياديوه الكبار يوما كتابا، أصبح يجلس فجأة على مقاعد المحاضرة في الشأن العام و أصبح هبنقاته يتفهون النقاش العام ببيانات متهافتة فكريا و قذعية الطابع و تفتقر دوما للدقة التاريخية أو اللباقة السياسية: تصف المعارضة التي لم تتول منصبا يوما في تاريخ البلاد بالمفسدين (مع أن أعضاء الحزب الحاكم لم يغادروا صف الأنظمة في تاريخهم) و تصف السياسيين بـ"اللصوص" و "الرعاع" و "المجرمين" و يطالبهم بـ"الانتحار" و "لعب العصا". و ليس الأمر أمر أغلبية فقط، فقد أصبحت الأحزاب المُعارضة تمتلك نخبة من الهجائين الذين يحمون أظهرها بإطلاق القصائد السبابية في حق كل من يتعرض لأحزابهم بتلميح أو تصريح كما لو أنهم شعراء القبائل في العصر الجاهلي، و أصبح هؤلاء يتجولون فكريا لقمع أي فكرة مخالفة حتى ولو كانت من مفكريهم الذين يتجرأون على تحدي الجمود و القدسية الفكرية و الرهبانية التي يقدسونها. و في كل مكان أصبحوا يشيعون الأفكار الخالية من أي عمق معرفي و المليئة بالوصاية الفكرية و التتفيه.

11

استطاع الجنرال عزيز أن يكون شعبويا دون أن يكون شعبيا. في غير هذه البقعة كان التحول إلى الشعبوية يتم لأغراض ميكيافيلية تتعلق باتباع تفكير الشعب لكسب وده. كانت الشعبوية تتعلق بالتخلي الإرادي عن النخبوية و العقلانية. كانت هنالك عقلانية وراء اللاعقلانية. مع الجنرال عزيز لم يكن ترف الاختيارموجودا. كان الأمر عنده يتعلق بالفطرة الصرفة. إن المشكلة الآن ليست دهماويته، بل مجاراته في هذه الدهماوية. تلك هي الجريمة الحقيقية.

إنني ضد تطبيق حد الردة- كماقلتُ مرارا- و إلا لتم إعدام الكثيرين بتهم الصباءة إلى عبادة دلنس، إلهة الغباء.

البحث :