لست أدري!..


ربما يكون أرثى لهؤلاء الشباب الذين ودّعوا الحياة، مأسوفا على زهرة شبابهم، أن يغادروا هذا الوطن الذي يحكمه الجنرال غير العزيز، ولو على آلة حدباء، فيستبدلوا بظلمه عدالة الله وبرعونته حكمة اللطيف الخبير.

ربما سيكون ازكى للمواطن الموريتاني ان يموت كريما بين طعن القنى وخفق البنود، بدلَ ان يعيش ذليلا تحت حكم جنرال بائس، لا يبين مواقع خطوه في سمادير ليل السياسة وتسيير شؤون البلاد.

****

لم يهن دم المواطن الموريتاني هوانَه لدى الأنظمة العسكرية، إلا أنه بعد انقلاب 1978 الذي استولى فيه ذوو الاحذية الخشنة علي سدة الحكم، دقت السلطة بينهم عطر منشِم، فقتل بعضهم غيلة، و ظل بأس العسكريين بينهم شديدا، فقد كان ولد هيداله سريع الفتك بقادة انقلاب 16 مارس. تماما كما أثخن ولد الطائع القتل في العسكريين الزنوج، وإن لم يسلم منه مدنيوهم ايضا.


المدنيون، في عمومهم، كانوا في نجوة بدمائهم. فقد كانت لدمائهم الزكية حرمتها، فحين أطلق فياه ولد معيوف النار في 1968 على العمال المتظاهرين في الزويرات، لم تسكت شفة، بعد ان نطقت المدافع.. فدبّج الشعراء من فيض مشاعرهم ما تسفح له عيون الصخر الأصم غروب دمعها. ولا يزال لسان الدهر رطبا بإدانة "مجزرة عمال الزويرات"، حيث كتب النضال الطلائعي لدمائهم الطاهرة روحا ثانية.

هكذا يمشي الزمن القهقرى، فتنطق المدافع مرة اخرى في صالح مستعمري شركة نحاس اكجوجت.. عمالٌ يستنشقون السموم، من أجل لقمة عيشهم، وتمجَل ايديهم في خدمة الاجنبي الذي يسرق أقواتهم.. لم يعد في ضرع هذه الشركة الَجَمُود ما يروى دَرّه صدى بناتهم الصغار، فقد ضن عليهم الأجنبي بما جادت به أرض أجدادهم.. وحين تظلّموا..حين طالبوا بحق عرق جبينهم، وبغَلة عضلاتهم، أخرستهم مدافع القتلة.


هنالك سقط المشظوفي معفّرا فوق تراب أجداده، التي أعطته ما أخذه الأجانب..
جاع فأشبعوه ضرباً، وظمأ فـ"سقوه الماء آخرَ الليل"، و طالب بـ"ضمان صحي" فشرّحوه بمباضعهم الغادرة.

قتلوه، ثم بكت عليه تماسيحهم..
تداعوا، ليسلبوا دمائه حمرتَها.. وليوعزوا للنائحة أن تسرق دموع الثكلى.

فما أشد مرارة ظلمك يا وطن!

لا احد أشد وطأة على الفقراء من "رئيسهم"، ولا أفتك بقيم الجمهورية من نائب وكيل الجمهورية، ولا اقسى قلوبا من اطباء اصيبت ضمائرهم بالايدز.

رأيت وجه نائب وكيل الجمهورية احمد ولد عبد الله لدى مؤتمره الصحفي، وقد ألبسه الله رداء سريرته.. كانت تعابير وجهه شواهد علي زور شهادته.

فكل القرائن تؤكد أن المشظوفي مات مقتولا.. والاسئلة، التي تتزاحم في جمجمتي فتصيبني بالصداع، كثيرة جدا:

- قل لي، يا من لديك جواب مقنع: أهي الصدفة أن يكون الفريق الطبي المشرف على تشريح جثة المشطوفي ونائب وكيل الجمهورية من ذات المقاطعة، ومن عين المجموعة العشائرية:


- د. عبد الله ولد سيدي عالي (اخصائي امراض القلب. مدير المستشفى)
- د عبد الله ولد بوبكر (اخصائي الاشعة)
- د. الشيخ المصطف ولد اربيه (طبيب امراض العظام)
-د. ابراهيم ولد حماد (جراح)

ولما منع الطبيب الممثل للنقابات من أن يحضر تشريح المشظوفي، فيما سمح لطبيب من الحرس الوطني بحضوره؟

ولماذا أصرّ مدير المستشفى الدكتور عبد الله ولد سيدي عالي على تنقيح استنتاجات الفريق الطبي، وخصوصا ما كتبه طبيب الاشعة الدكتور عبد الله ولد بوبكر وهو بالحرف: Hemorragie Meningee + Contusion Pulmonaire ممايعني وجود نزيف داخلي بدماغ ولد المشظوفي وآخر في رئته؟

ولماذا يؤكدون أنهم أجروا تشريحا للجثة في حين أكتفوا بتقليبها، ثم عرضها لأشعة "اسكانير"؟.

المعلومات التي وصلتني من مصادرها، تؤكد أن ولد سيدعالي الذي تلاعب بتقرير ولد بوبكر استدعى الاخير في مكتبه، وطلب منه آن يشرح للوكيل وافراد اسرة ولد المشظوفي المفجوعة نتائج فحص الأشعة، إلا أنه طلب إعفائه من ذلك، وغادر دون استئذان، غير أنه ظل بصمته متواطئا في الجريمة.

مهما سقونا البنج، فعين الله لا تنام.. فعنده تجتمع الخصوم يومَ يقتصّ للجماء من القرناء.. يوم يأخذ المشظوفي حقه من ولد عبد العزيز.

ما كان ضرّه، وهو رئيس البلاد، المسؤول عن ارساء دعائم القسط فيها، لو أجرى تحقيقا عادلاً، يذوق فيه المسيئ مرَّ إساءته؟!.


ألن يجني بحماية الجاني عاقبة حسني مبارك في تستره على قتلة خالد سعيد؟!


وماذا لو ضرّه لو لو لم يخيّب رجاءً حين اعتدى ابنه البكر على رجاء؟


ولماذا يرفض تسليم سيدي محمد ولد هيدالة لأنه رفض الزج بخصوم سياسيين في ملف "طائرة نواذيبو"، حتي تعرض لتعذيب في سجون المغرب جعل منه قعيد كرسي متحرك؟


ولماذا لم يتم التحقيق في الروايات المتضاربة لموت عبد الرحمن ولد بزيد؟

وهل سيفلت العقيد محمد ولد احريطاني من العقاب على مسؤوليته عن وفاة ثمانية اشخاص (7 مواطنين واجنبي كندي الجنسية) جراءَ إهماله لصيانة الطائرة Y12 التي تؤكد مصادر بالغة الاطلاع أن هنون ولد بوسيف حدث مقربين منه قبل وفاته أنه شغلوا محركها مرة ببطارية Toyota Hilux بعد أن عجزت بطاريتها عن تشغيلها؟


وماهي حقيقة ما تداولته احاديث متواترة عن اعتذار بعض الملاحين عن قيادة الرحلة، بسبب عدم اطمئنانه لاجراءات السلامة، فتمت معاقبته ثم تكليف الحسن ولد البشير بقيادتها، لتطضرم النيران في محركاتها بعد خمس دقاىق من إقلاعها، مما يعني ان الفحص الفني الذي يسبق عملية الاقلاع لم يكن جادّا؟

وهل نرضخ للتفسير التآمري، فنستشف احابيلَ خطة، تعمدت ان تصرف الأنظار عن فضيحة "الطائرة - الخردة" بخلقها لأزمة عمال اكجوجت؟

ولماذا تزكم أنوفنا رائحة "الذهب" في حادثة الهيليكوبتر، و "النحاس" في حادثة اكجوحت؟

إنه موسم الموت المجاني قربانا لألهة اختلاس الأموال العامة!


لقد هان المواطن المسكين، وسهّل الهوان عليه، فلم يعد لجرح بميّته إيلام... انت أمام خيارين لأن تموت جوعا، أو أن تموت لتحيا:

.. مُت رافع الهامة، شامخ الرأس، مطمح طرفك الفرقدان، ومرتع سوائم عزك سدرة منتهى العلياء.. ولا تمت حتف أنفك، يفتك بك الجوع و الغَرَث، أو يمتص المرض مُنّتك فيترك منك أطلال إنسان.

مت وأنت تنتزع دنياك غلابا: لا تقتل "رجائك" برصاصة "بدر"، ولا تكن طعام النار في علبة يأكلها الصدء.. ولاتسكب على جسدك بنزينا تشعله... فلم يعد في البلد عود ثقاب.

سيطرق الموت بابك فلا تمت جباناً، ارسم بدمك لوحة الحرية الحمراء.. ثم مت كريما، كما "يعلو النسر لقمته ليموت، لا كما تفقس العنكبوت".
البحث :