طالعت مبادرة سمت نفسها بـ"مبادرة تأمل في منتصف الطريق" الرأي العام الوطني منذ أيام بأنها تعتزم تنظيم نشاط يوم الجمعة 31 أغشت لتثمين إنجازات رئيس الجمهورية والرد على خطاب منسقية المعارضة المتطرف بمدينة اكجوجت مما أثار عددا من اشارات الاستفهام والتعجب، خاصة وأن الساحة السياسية الموريتانية ألفت عدة مبادرات وأحزاب شبابية تدور في فلك الاغلبية لكنها لم تجن سوى انها، وبعد أن لقنتها التجربة أن المطلوب منها مجرد إثارة جعجعات إعلامية، تحطمت على صخرة النفوذ والواقع واستحكام السلطة الابوية والكهولية في المشهد الاغلبي.
فهل تكون فعلا هذه المبادرة نشازا؟ أم أن الأمر يتعلق بأمر له ما وراءه؟!
ولكي نتمكن من مقاربة هذين التساؤلين لابد لنا في البداية ان نتوقف مع القارئ الكريم عند الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية للقيمين على المبادرة محاولين من خلال ذلك التعرف عليهم وفهم الدوافع التي دفعتهم الى اتخاذ هذا الدرب دون غيره، ثم وعلى ضوء ذلك استقراء الامكانات المتاحة لهؤلاء ومعرفة ما اذا كانت تضمن لهم اجتياز ما عرقل غيرهم من اكراهات ووعود سرابية، تبين مع الايام انها مجرد ذر للرماد في العيون.
تتشكل المبادرة من مجموعة من الشباب المنحدرين في اغلبهم من مدينة اكجوجت وممن لهم علاقة تحديدا بشركة MCM، وهنا لا بأس من الوقوف معهم واحدا واحدا والتعريف بهم، لكي يضيء لنا ذلك بعضا من الزوايا المعتمة:
- الرئيس: ماء العينين ولد اعبيدي ولد الغرابي وهو ابن العمدة السابق لاكجوجت اعبيدي ولد الغرابي، وحسب المطلعين على الشان المحلي بالمدينة لم يقدم العمدة اي اشياء تذكر للمدينة،لكن وعلى الرغم من ذلك يسعى ابنه لتكرار التجربة نفسها التي كانت مع ابيه حيث انه يسعى جهده لان يتقلد منصب عمدة بلدية اكجوجت مستقلا علاقته الحميمة بابناء عمومته وخاصة منهم الابن المدلل والمتنفذ لرئيس الجمهورية بدر بن عبد العزيز والذي كان اول تعرف للراي العام عليه من خلال الجناية التي ارتكبها بحق المواطنة المدعوة رجاء منت اسيادي، كما انه لا يبخل بأن يزيد حظوظه من خلال أي فرصة تتاح له ولذلك كان فاعلا الى جانب آخرين سنتطرق لهم لاحقا في افشال اضراب اكجوجت والتمالؤ مع الشركة الاجنبية العاملة في مجال النحاس هناك على حساب مواطنيه الذين تستنزف جهودهم ليل نهار، وهذا ما أهله لأن ينمي رصيده المالي الذي شهد طفرة بعد تولي ابن عمه للرئاسة، وذلك من خلال حصوله على عدة مشاريع وأوراش من شركة MCM تلقاء عمله "الجبار في اخماد جذوة الاحتجاج العمالي.
يجدر بالتنبيه أن ماء العينين تعود علاقته بمقاعد الدراسة الى سنة 1995 وهو في السنة الثالثة من التعليم الاعدادي.
- سيدي محمد ولد حيمدون الملقب "كنه" ابن عم العقيد ولاد ولد حيمدون وكان يلهث وراءه ويشكل أحد أهم عناصره في اكجوجت، لدرجه أن ذلك خوله أن يكون فيدرالي الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي على مستوى الولاية، وبعد انقلاب ولد عبد العزيز كان من صقور حزب الاتحاد من اجل الجمهورية في اكجوجت، وبعد خلافات حادة مع المنتخبين المحليين والذين ينتمون لنفس الحزب، قرر أن يكون أحد عناصر هذه المجموعة التي تعمل لاجنداتها الخاصة محليا وتحاول من اجل ذلك الاستحواذ على كل النشاطات الاقتصادية في المدينة سبيلا الى اكتساح كل المناصب الانتخابية.
- حماني ولد الداه ولد اهميمد كان يتسكع في شوارع وحوانيت اكجوجت حتى توزر زيدان ولد احميده وأصبح يفكر في دخول المعترك الانتخابي المحلي في ازويرات، فشكل ذلك بداية طريق جديد لولد اهميمد مع آخرين من أبناء عمومته من بينهم العمدة الحالي ولد المان، حيث انتقل بهم زيدان الى ازويرات ليعملوا معه في حملته "الخاسرة"، وكمكافئة لولد اهميمد ومن لف لفه، أدمجهم زيدان ولد احميده، نتيجة لعلاقاته بشركة MCM كمقاولين ووسطاء لهذه الشركة.
من هنا غدا حماني شخصا آخر له مكانته ونفوذه مما راكم من العمولات التي يحصل عليها من MCM، وصار مع بقية زملائه في المبادرة يسخر كل قواه لانقاذ القيمين على الشركة من الازمات التي تعترضهم مع العمال، ان هم احتجوا او طالبوا بحقوق لانه يعتبر ذلك مضرا بمكانته التي لا يريد ان يخسرها، مهما كانت في النهاية في صالح شركة اجنبية على حساب العمالة الوطنية وحقوقها وعلى حساب سلامة البيئة الموريتانية، وفي هذا الاطار فقد كان ولد اهميمد هو من تولى مهمة اقناع ذوي ولد المشظوفي وأبناء عمومته بالتنازل عن حق ابنهم الذي راح ضحية العنف الذي لحق بالعمال المطالبين بتسوية مشاكلهم، وكرد من الشركة واعتراف بجهود الشاب حماني تقدمت الادارة له بمنح مالية وسيارات فاخرة على حد ما يتردد على ألسنة ساكنة اكجوجت.
- مناه منت هابده متزوجة ولها عدة ابناء، وهي استاذة مساعدة للتربية المدنية وهي الان خلف لنائب اكجوجت مصطفى ولد احمد مكي الذي اصبح يعرف اخيرا بولد عبد العزيز على شاكلة رئيس الجمهورية، وتطمح مناه لان تكون نائبة لاكجوجت، وهي في ذلك تشبه رئيس المبادرة ماء العينين الذي يطمح لمنصب العمدة، وعلى غراره ايضا تستفيد استفادات كبيرة وغير طبيعية من شركة MCM التي تولت مهمة تنفيذ عدة مشاريع لها في المدينة، ومن هنا شهدت ثروتها طفرة غريبة بحيث اصبح عارفوها يتحدثون عن امتلاكها لعقارات في اكجوجت وفي تفرغ زينه بانواكشوط، وعطفا على قيل الناس يتردد أن لها علاقة غرامية برئيس المبادرة و"العمدة المنتظر".
- أحمد ولد يعقوب وهو صحفي بالاذاعة الوطنية قضى عمره يلهث خلف ولد الطايع منوها ومطريا وداعيا الى الالتحاق بركبه، وفي سبيل ذلك يثمن الانجازات العملاقة من كهربة ثلاثة عشرة مدينة، وحملة محو الامية، وجوقة الكتاب والمطالعة... كان يطمح في فترة تنصيب هيئات الاتحاد من اجل الجمهورية الى ان يكون فيدراليا للحزب في ولاية اكجوجت، ولكنه لم يفلح في ذلك امام منافسة غريمه محمد ولد عابدين ابن عم الرئيس الذي لا يزال يتربع حتى كتابة هذه الحروف على سدة الفيدرالية في الولاية، ومن مخلفات هذا الصراع خسر ولد يعقوب إدارة الاذاعة الجهوية في اكجوجت مما جعله يتوجه الى عناصر هذه المبادرة بوصفه يتقاسم معهم مناوءة جماعة الحزب التي تمثله حاليا في المدينة، وقد سمع منه مقربون قوله انه يطمح ايضا لان يكون عمدة، وهو امر يقول العارفون بولد يعقوب انه لن يشكل عقبة كبيرة امام ولد الغرابي لان احمد سيقبل بالتنازل له مقابل تعويضه عن مساعيه وتحركاته.
- وعلى غرار المتقدمين من تبقى من عناصر المبادرة وهم سيدي عبد الله ولد صاليحي وعبد الرحمن ولد الامام الصف وعبد الله ولد عتيه الذي يستفيد على غرار متقدميه من المقاولة والوساطة لشركة MCM. وحامد ولد الديك: مفتش الشغل في كل من تازيازت و MCM.
يتضح من خلال هذا العرض الموجز لما تحصلنا عليه من معلومات بخصوص اعضاء هذه المبادرة انهم مجموعة شبابية يشتركون جميعا في الصلة بـ MCM ويريدون الانفكاك من ربقة رجالات الاتحاد الرسميين بالولاية، كما انهم يعتزمون منافستهم على المناصب الانتخابية المحلية، وهم عن طريق قيادتهم يتخذون طريقا سالكا الى القصر ليس فقط عن طريق "جوقة" تجديد الطبقة السياسية واشراك الشباب، ولكن عبر الابن المدلل لرئيس الجمهورية بدر ولد عبد العزيز الذي تربطه علاقة اجتماعية وطيدة بولد اعبيدي ولد الغرابي وكذلك رابطة صداقة خاصة جدا، وهم يعولون على هذه الامكانات التي يتحركون بها حاليا ويحوزون من خلالها مكانتهم في المشهد. هذه الامكانات طبعا ليس من بينها الصلة بجماهير المدينة ولا تقديم اي خدمات لهم وهذا ما قد يجعل حظوظهم ضعيفة جدا في المشهد الانتخابي، خاصة وان العمال الذين كانوا يرغبونهم ويرهبونهم بدأوا يكسرون حاجز الخوف ويعبرون عن امتعاضهم من المماطلات والاكاذيب التي كان يعاملهم بها اصحاب المبادرة كلما كان هناك تحرك احتجاجي او مطلبي على مستوى المدينة.
ومن ما يستحق التنبيه ان هؤلاء تضرروا كثير في الوسط الذي ينتمي اليه المرحوم محمد ولد المشظوفي خاصة بعد المساعي التي قام بها ولد اهميمد والتي لم ترض اغلبية ابناء عمومة المرحوم، والذين تربطهم علاقات نسب وتنسيق سياسي مع العمدة الحالي سيدي ولد المان، وهو غريم الجماعة ومنافسها الأول. ايضا يتردد على الالسن ان الشباب في المدينة وخاصة هذه المجموعة لا تكترث سوى لجيوبها وتكديس الامتيازات الخاصة لانفسها، وهذا يعطي صورة غير مغرية لمن يفترض منهم ان يكون جسرا شعبيا يعبر عليه هؤلاء في الموسم الانتخابي الذي يتم الحديث عنه بين الفينة والاخرى رغم ان أجله لم يتحدد بعد بشكل صارم.
اذن الجماعة لا تخلو من ان تكون لها نقاط قوة مثل الصلة بالفاعل "التنموي" (المالي) الاول في المدينة المتمثل في شركة MCM كما ان لهم علاقة بالقصر بالاضافة الى كونهم جميعا من الشباب الذي يقال ان السلطات تهتم باحلاله المكان المطلوب في المشهد الانتخابي المقبل، لكن هذا يكدر صفوه ان صورة هؤلاء ليست جيدة عند القاعدة الانتخابية لا في شكل مجموعات اجتماعية ولا في شكل قوى عمالية لان الحكم الاكثر شيوعا عليهم، كما اشرنا انفا، انهم مجموعة تشتغل لانفسها ولا تكترث لشيء غير ذلك. وهذا ما جعل بعض مراقبي الشان المحلي يعلق على تسمية المبادرة بـ"تأمل في منتصف الطريق" أنه قد يعني مراجعة النهج الذي كان هؤلاء يشتغلون عليه، وأنه قد يخلص في الايام المقبلة الى اعلان انصهار المبادرة في جماعة الاتحاد الرسمية المحلية وتخليهم عن السعي لتلقد مناصب انتخابية، خاصة اذا لم يفلح نشاط يوم الجمعة 31 أغشت في اقناع القصر وقيادة الاتحاد بانهم اهلا للثقة.
وفي انتظار ما تسفر عنه الايام تبقى علامات الاستفهام والتعجب تتنزى متلهفة لمن يعطيها جوابا ولو أولويا على ضوء المؤشرات التي حاولنا هنا احتذاء اكثرها حضورا وفعالية كما تتبدى لنا.
محمد امبارك ولد الشيخ
البحث :