منذ فترة ونحن نعيش على وقع سنفونية تخطيط وتوزيع القطع الأرضية بالاحياء الهامشية، وهو حلم طال انتظاره من طرف كثير من المواطنين الذين عاشوا عشرات السنين وهم يربون الأمل في الحصول على قطعة أرضية يمكنهم فيها أن يعملوا على إيجاد مأوى لهم ولأبنائهم، وقد شكلت انطلاقة الحدث علامة فارقة،

أثثتها الدعاية الرسمية، واعتبرتها من بين الانجازات العملاقة لـ"رئيس الفقراء" والتي جلبت له الكثير من المناصرين، والمحبين، والداعين له الله بالاسحار... لكن استمرار العملية حتى الآن كان يدل على أن هناك عراقيل حقيقية تقف أمام استكمال التعهد، وتجسيد الحلم على الأرض، وهذا ما دفع صحيفة أنفاس لمحاولة الوقوف على بعض من العراقيل التي تعترض العملية من خلال هذه الالمامة السريعة التي تحصت عليها من المتضررين وهم يطرقون أبواب وزارة الاسكان في مراجعة منهم لبعض من مشاكلهم العالقة.

عتبة

وأنت تدلف من باب الوزارة يطالعك الكثير من الوجوه المسفوعة، والأجسام المنهكة تتكدس في طابور طويل يتجاذب فيما بينه أطراف الحديث، كل يبث للحاضرين شجونه بمرارة بالغة، والعجيب أنه لا يكاد ينتهي أحدهم من قصته إلا وأخذ آخر بطرف الحديث وكأنه يبدأ من حيث انتهى الذي قبله!

معظم هذا الطابور من النساء اللواتي لم تترك المعاناة من أنوثتهن إلا تضاريس أجسامهن الذاوية، وهن يمططن وجوهن على كل هيئة إذ يحكين مآسيهن، كما أنهن يطلقن العنان لأياديهن وحناجرهن، ويفتحن ويغمضن أعينهن... بحيث لا تكاد تتذكر هيئة محتملة إلا ويجربنها كآلية تساعدهن على تبليغ ما يعانين إلا الضحك فإنه الغائب الأبرز!

تتعدد المشاكل وتختلف المناطق كما يختلف النطق، وآليات التعبير وتقنيات الحكي، إلا أن القاسم المشترك بين الجميع أنه لم تُسو مشاكله العالقة حتى اليوم نتيجة نفوذ متنفذ أو رشاوي "بطرون"، أو قلة ذات يد "مطحون"! وعلى ما يبدو فإن استخدام كل الذرائع لتكريس الظلم متاح، حتى المقدسات، التي باسمها تنتزع أراض وتسلب حقوق وتشرد أسر، وتُخضع للضغط، وتُجرًع المرارات التي كان يكفي منها الظروف المتردية التي يعيش الحالمون بعدة أمتار من الأرض التي لا ماء فيها ولا مرعى ولا مشافي ولا، ولا، ولا...!

"البطارين" يزاحمون على الصفيح!

نورة منت سعدبوه ، فتاة ثلاثينية، لكن لا يمكنك ان تتكهن بذلك، حيث ان يد الزمن العتيد ضربت عليها بجبروتها حتى غدا وجهها محملا بكثير من دلالات البؤس والمعاناة، وكأنها قادمة منت زمن قديم تحمل معها مرارته وراء تجاعيد وجهها الشاحب... نورة تقطن في القطاع 14 عند منعرج ملح الاول منذ 1998، كانت تعيش قبل البدء في التخطيط في حياة رغدة مقارنة بما اصبحت تعيشه بعدها، على حد تعبيرها، حيث تقول انها راحت ضحية تدليس المدعو سيدي محمد ولد سيدي أعمر (لاجي)، مع المدعوة شمني زوجة الرجل النافذ إطول عمرو ولد سيدي ولد اعبيدي الذي تسكن وإياه منزلا فاخرا في تفرغ زينه، وقد كان كفيلا باغنائها عن مضايقتي على ثلاثة امتار، تقول نورة، وهي تجهش بالبكاء، ثم تواصل والعبرات تكدر سلاسة نطقها المتعثر أصلا بفعل التأتأة: لقد اشتكيت لوزارة الاسكان ممثلة في المدعو بيران وان، الشكاية رقم 0116، ولكن ذلك لم يجدي شيئا.

مجموعة اخرى في عرفات عند الداية 15 قضت وقتا غير يسير في التردد على اعلي سالم ولد مناه والحاكم ثم تقدموا الى الوزارة بالشكاية رقم 0243 لكنهم الى الان لا يزالون يتردون في هوة المعاناة، وقد وقع هؤلاء ضحية لنفوذ المدعو محمد الأمين ولد عيسه الذي يضايق بعض المجموعة بحجة أن بجواره قطعا أرضية لأخواته وخاصة منهن عيشه منت عيسه، أما البعض الآخر فهو ضحية لتمالؤ المشرفين على التخطيط وفض النزاع في المداخلات مع المدعوة غاية منت عبد القادر التي تضايق عجوزا منهم تدعى خدجة منت ابراهيم فال وتمنعها من أن يقر لها جفن، ودوما تتبجح على رؤوس الاشهاد أن العجوز هي الخاسر الأول والأخير لأنها هي تمتلك منزلها الفاخر بحي تفرغ زينه ثم إن لديها الامكانات لتوجه رأي كل مسؤول محتمل عن التخطيط والمداخلات. وهو ظلم، تقول إحدى نساء المجموعة، لا يوازيه إلا التنكيل الذي لحق بأخرى من بيننا تدعى سلم منت محمد الزين التي تم تحطيم منزلها وأحل محلها آخرون قادمون من مكان بعيد، بحجة أن الفقراء من الافضل لهم أن لا تكون منازلهم مطلة على الشوارع الرئيسية.

المسجد واجهة للظلم!

وعلى شارع الفلوجه وتحديدا في القطاع ARS2 هناك مشكلة أخرى، لكن، مهما يكن نوع اختلافها، فلا تتوقعوا ان لا يكون للنفوذ عليها سلطان، هناك تقطن جماعة لم تسو مشكلتها بعد رغم ترددها على المصالح الادارية المعنية بشكل مستمر على اختلاف مستوياتها، ورغم أن أول رسالة تشكي يتقدمون بها عند الوزارة، كانت تحت الرقم 0858. والغريب في أمر هؤلاء أن "المسجد" اتخذ حجة وغطاء لظلمهم، ذلك أن نافذين في الجيش ورجال أعمال في الخليج يعملون على اقصائهم من الاماكن التي ألفوها منذ زمن، وبها وُلد أبناؤهم وترعرعوا ودرجوا في مدارج حياتهم!

نفس حكاية المسجد تتكرر مع صاحبة القطعة رقم 1152 التي تقول إن معها بنفس المجموعة السكنية 8 أسر، 4 منهن شركاء لها في أزمة المسجد، وأما البقية، التي ليس لديها مشكل المسجد، فقد تم ظلمها ومضايقتها وتهجيرها من أماكنها الأصلية لصالح وافدين جدد لا يكلفهم ظلمهم هذا سوى أن يدفعوا 40000 أوقية في البداية لتمكنوا من التحصل على بعض من منازل الآخرين، ثم بعد ذلك يواصلوا في الامعان في ظلمهم بالتمالؤ مع المشرفين، إلا أن أصرخ الحالات وأقلها إنسانية، تقول صاحبة القطعة 1152، والتأثر باد عليها، هي حالة محمد ولد الشيخ الذي يعكف الآن على تصفية الكلى والذي انتزع منه تاجران (من مجموعة قبلية تسميها السيدة) قطعته عن طرق النفوذ والمال.

مجموعة الثماني أسر هذه طرقت أبواب الإدارة طرقا يبدو أنه لا طائل من ورائه، حيث وجهوا الشكاية الأولى لهم تحت الرقم 0497 ثم بعد ذلك أرسلوا رسالة للوزارة رقمها 0992.



النفوذ العسكري في "لكزر"!

فطمة منت سيدي تقول إنها اشترت القطعة S12D/471 منذ 1989 بمليون ومائتي ألف أوقية وأن لديها ترخيصها، وقد بنت فيها بيتين وعريشا ولم تزل في رغد من امرها حتى اتت لجنة التخطيط واتزعت منها 10م بالتمالؤ مع من اعتبرته عسكريا ساميا على حد قولها، وعندما لم تقبل بالامر واعترضت، تواصل فاطمة: منوني بقطعة أخرى محاذية للطريق الرئيسي، ومأ إن استلمناها حتى بدأ يتكشف لنا أننا في مسرحية، حيث جاءت إلينا امرأة من أهل تفرغ زينه وقالت إننا اغتصبنا قطعتهاعنوة، وأصبحت تلح علينا أن نرحل وإلا فإنها ستتصرف كما يعن لها.

فاطمة منت سيدي محمد قادمة من S11B قرب بقالة السلام وتقول إن بداية سكنها في قطعتها المرقمة بـ 1730 تعود إلى 1998 إلا أنها لم تتحصل على وصل لقطعتها إلا سنة 2009. وكان إلى جانبها، وفق ما تقول، عسكري من الجيش تم منحه المنزل الذي امامها من دون أوراق، ولكنها فضلت الامساك عن التعليق على حالته وفضلت تجاهله بما انه لا تعنيها، ولم تزل الامور على هذا النحو، تقول فاطمة، حتى جائتها لجنة التحسيس تفيدها بأن قطعتها سيعبث بها، وقبلت بالامر مقابل ان يمنحوها القطهة التي أمامها، وقبلو، ثم بعد فترة أخبروني أن المكان الذي اتخذت منه مستقرا سيهدم هو الآخر، لكنني لم أقبل هذه المرة لأنني لست مستعدة لخسارة ما بنيته ثانية بقطعتي الجديدة، حيث بنيت بها بيتا وحانوتا وعريشا، لكن رفضي لم يكن كافيا للحيلولة دون الاجهاز على مسكني، بعدها توجهت إلى الحاكم، ولا أخفيكم تقول فاطمة، أنني انفجرت في وجهه بكاء كما أنني قد أكون خرجت عن حدود اللياقة، لكن المهم ان الحاكم قال لي بالحرف، أنهم بهذا الأمر: ينفذون أوامر علياء!

وتضيف: وقد انكشف لي لاحقا أن الكابرال العسكري الذي يسكن إلى جانبي والمدعو عبد الله ولد عبد الله هو السبب وراء كل هذا، وأنه في سبيل تنفيذ ما يريد ينتحل شخصية غزواني!، اكتشفت هذا عندما سلموه جانب منزلي الخلفي وعرفت من خلال ذلك أنه لا يزال يضغط ليتنزع المكان الذي أنا فيه الآن لزوجته... بعد كل هذا توجهت المسكينة الى بيران وان لكنها لم تحصل بعد على غير المواعيد أما الحديث عن التعويض فلا يزال متروكا!

خدجة منت سيدي محمود التي تقطن قطعة بالحي 13 (ابلوك الجزيرة) منذ 14 سنة مع ابنائها وينت فيها ما تيسر لها، تقول إن التخطيط جرعها صاب هموم الحياة وأوصابها، حيث أنها وفي غيابها، تم الاعتداء عليها من طرف جيرانها، وخاصة المدعو حمود، الذي يدعي أن القطعة التي تتداخل معها لابن اخته محمد الامين ولد فايده. ولما جئت الى سيدي أعمر (لاجي) كان يتهرب مني ولما لم يجدي ذلك كان يطردني، وهو ما جعلني أعتبره ضالعا ومسخرا ضدي بقوة النفوذ، ولما جاء يعقوب (لاجي الجديد) تفاءلت في استرداد حقي، لكن تفاؤلي، تقول خدجة، لم يكن في محله، حيث وقع يعقوب تحت نفس النير الذي كان سلفه يرزح تحته، ثم مع كل اللجان اللاحقة كانت تتكرر تجربتي، وها أنا لا أزال أكابد ولا أجد من يصغي إلي!

الكاتب الكبير:أحمدو ولد بداه
البحث :